الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

165

تفسير روح البيان

لكل مجموع مؤلف لحقيقة خفيت عن أكثر الناس شرع الطلاق رحمة لعباده ليكونوا مأجورين في أفعالهم محمودين غير مذمومين إرغاما للشيطان فإنهم في ذلك تحت اذن الهى وانما كان الطلاق ابغض الحلال إلى اللّه تعالى لأنه رجوع إلى العدم إذ بائتلاف الطبائع ظهر وجود التركيب وبعد الائتلاف كان العدم فمن أجل هذه الرائحة كرهت الفرقة بين الزوجين لعدم عين الاجتماع كذا في الفتوحات . وتقديم التمتيع على التسريح من باب الكرم وفيه قطع لمعاذيرهن من أول الأمر وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ اى تردن رسوله وصحبته ورضاه وذكر اللّه للايذان بجلالته عليه السلام عنده تعالى وَالدَّارَ الْآخِرَةَ اى نعيمها الذي لا قدر عنده للدنيا وما فيها جميعا فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ [ مر زنان نيكوكارانرا ] مِنْكُنَّ بمقابلة إحسانهن ومن للتبيين لان كلهن محسنات أصلح نساء العالمين ولم يقل لكن اعلاما بان كل الإحسان في إيثار مرضاة اللّه ورسوله على مرضاة أنفسهن أَجْراً عَظِيماً لا يعرف كنهه وغايته وهو السر فيما ذكر من تقديم التمتيع على التسريح وفي وصف التسريح بالجميل ولما نزلت هذه الآية بدأ عليه السلام بعائشة رضى اللّه عنها وكانت أحب أزواجه اليه وقرأها عليها وخيرها فاختارت اللّه ورسوله - وروى - انه قل لعائشة رضى اللّه عنها انى ذاكر لك امرا أحب ان لا تعجلي حتى تستأمري أبويك اى تشاورى لما علم أن أبويها لا يأمرانها بفراقه عليه السلام قالت وما هو يا رسول اللّه فتلا عليها الآية فقالت أفي هذا استأمر أبوي بل اختار اللّه ورسوله والدار الآخرة [ رسول را اين سخن ازو عجب آمد وبدان شاد شد واثر شادى بر بشرهء مبارك وى پيدا آمد ] ثم اختارت الباقيات اختيارها فلما آثرنه عليه السلام والنعيم الباقي على الفاني شكر اللّه لهن ذلك وحرم على النبي التزوج بغيرهن فقال ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ ) الآية كما سيأتي واختلف في ان هذا التخيير هل كان تفويض الطلاق إليهن حتى يقع الطلاق باختيارهن أو كان تخييرا لهن بين الإرادتين على انهن ان أردن الدنيا فارقهن عليه السلام كما ينبئ عنه قوله ( فَتَعالَيْنَ ) إلخ فذهب البعض إلى الأول وقالوا لو اخترن أنفسهن كان ذلك طلاقا ولذا اختلف في حكم التخيير فإنه إذا خير رجل امرأته فاختارت نفسها في ذلك المجلس قبل القيام أو الاشتغال بما يدل على الاعراض بان تقول اخترت نفسي وقعت طلقة بائنة عند أبى حنيفة ورجعية عند الشافعي وثلاث تطليقات عند مالك ولو اختارت زوجها لا يقع شئ أصلا وكذا إذا قامت من مجلسها قبل ان تختار نفسها انقطع التخيير باتفاقهم واختلفوا فيما إذا قال أمرك بيدك فقال أبو حنيفة إذا قال أمرك بيدك في تطليقة فاختارت نفسها يقع طلقة رجعية وان نوى الثلاث صح فلو قالت اخترت واحدة فهي ثلاث وهو كالتخيير يتوقف على المجلس وفي الآية إشارتان الأولى ان حب الدنيا وزينتها موجب للمفارقة عند صحبة النبي عليه السلام لأزواجه مع انهن محال النطفة الانسانية في عالم الصورة ليعلم ان حب الدنيا وزينتها آكد في إيجاب المفارقة عن صحبة النبي عليه السلام لامته لان أرحام قلوبهم محل النطفة الروحانية الربانية فينبغي ان يكون أطيب وأزكى لاستحقاق تلك النطفة الشريفة فان الطيبات للطيبين